ابن حمدون

392

التذكرة الحمدونية

أنشده إياه . قال : لتفعلنّ ، فلم يزل حتى أنشده قول طرفة . قال الملك : فقد بلغ أمره إلى هذا ؟ ووقعت في نفسه واختبأها عليه ، فكره أن يريه أنه غضب عليه فتدركه الرّحم فينذر طرفة فيهرب ، فقال : كذبت أنت متّهم عليه . وسأل عمرو عما قال فوجده والمتلمّس قد قالا فيه قولا سيّئا ، فسكت عنهما أياما ثم قال لهما : ما أظنكما إلا قد سرّكما إتيان أهليكما وغرضتما بمكانكما ؟ قالا : أجل . قال : فإني كاتب لكما بها بحباء وكرامة إلى عامل هجر . فكتب لهما أن يقتلا ، وجهّزهما بشيء إلى عامله على البحرين ، وعامله معضد بن عمرو بن عبد القيس ، ثم من الجواثر ، وبنو تغلب تقول : كتب له إلى عبد هند بن حر بن حري بن حرورة بن حمير التغلبيّ ، وكان عامله على البحرين . فخرجا فمرّا بنهر الحيرة ، فإذا هما بغلمان يلعبون في الماء ، فرأى المتلمّس في ثياب بعضهم أثر الأنقاس ، فقال : يا غلام هل تكتب ؟ قال : نعم . فقال لطرفة : تعلم أنّ ارتياح الملك لي ولك من بين شعراء بكر بن وائل لأمر مريب ، وقد رأيت من نظر الملك إلينا أشياء ارتبت بها ، فهل لك أن تنظر في كتابينا ، فإن كان ما نحبّ فختمناهما ورجعنا ، وإن كان ما نكره رجعنا إلى مأمننا ، فقال طرفة : ما أخاف ، ما كان ليكتب إلا بما قال ، ولو أراد غير ذلك لكان قادرا عليه ، وما كان ليجترىء عليّ وعلى قومي . فدفع المتلمّس كتابه إلى الغلام العبادي ، فلما فضّ ختامه ونظر فيه جعل يقرأ ويقول : ثكلت المتلمّس أمّه ، فقال : ويلك وما في الكتاب ؟ قال : فيه يقتل المتلمّس . فقال لطرفة : في كتابك واللَّه مثل ما في كتابي ، فألق صحيفتك . فأبى ، وألقى المتلمّس صحيفته في الماء ، وقال : [ من الطويل ] وألقيتها بالثني من شطَّ كافر كذلك أقنو كلّ قطَّ مدلَّل الثني من أثناء الوادي والنهر ، وكافر نهر الحيرة ، كفر : غطَّى ووارى فهو كافر ، وأقنو أجزي ، والقط : الصحيفة والصك ، ومنه قوله عزّ وجلّ : * ( عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ) * ( ص : 16 ) .